ثقافة في المسابقة الرسمية لمهرجان كان: الثابت والمتحول بين كان لوتش وبيدرو المودوفار وتيرنس ماليك
بقلم الناقد طاهر الشيخاوي- مراسلنا من مهرجان كان
الثابت والمتحول : معادلة أفلام الأقسام الرسمية ولعبة مهرجان كان مع متابعيه. كان لوتش مثالا ؟
السؤال: هل يتحصل المخرج البريطاني مرة ثالثة على السعفة الذهبية ؟ قد يكون وقد لا يكون. المفارقة لا تزال تكبر ولا يزال كان لوتش يعيد انتاجها من شريط إلى شريط، ولا أحد ينتظر تغييرا أو تراجعا. عائلة بسيطة متركبة من الأب والأم وابن مراهق وبنت صغيرة، عائلة شعبية نموذجية تعاني الأمرين من قهر النظام الرأسمالي.

-لقطة من فيلم "آسف، اشتقنا إليك" لكان لوتش
هو يشتغل سائقا، هي معينة منزلية تعنى بالمرضى وكبار السن في بيوتهم. يتابع كان لوتش عن كثب علاقات أفراد العائلة وتأثرها بظروف العمل القاسية معتمدا ضربا من الواقعية الإجتماعية بات سيدها الأوحد. لا يمكن لأحد نقض حكم كان لوتش، قسوة النظام الرأسمالي لا نقاش فيها، كل القيم الإنسانية تنهار أمامها، لا يوجد مخرج على وجه الأرض يضاهي صاحبنا في فضحه للاإنسانية رأس المال، وتميزه يكمن في اطلاعه على جزئيات القوانين التي تسيّر علاقاتنا مهما كان ثراؤنا الانساني.
وهنا بالضبط تكمن المشكلة، مشكلة كان لوتش، فهو لا يترك للشخصيات أي إمكانية للخلاص. فهم في الوقت نفسه لعبة بيدي القهر المنظم، وهذا الرصد قريب جدا من الواقع ولعبة طيّعة بيدي الكاتب والمخرج السينمائي، لا يمكن لهم التحرك خارج ما سطّر لهم، وهو أمر محيّر للغاية من حيث الإبداع وقدرة الفن السابع لا فقط على اعادة انتاج الواقع الاجتماعي ولكن على الاقتراح الذي يتجاوز كل الأسباب والمسببات.

-لقطة من فيلم "ألم وشهرة" لبيدرو ألمودوفار
الثابت والمتحول : ألمودوفار، آه ألمودوفار. ثابت وعلى ذاته يدور. وفاؤه لنفسه يرقى به إلى طبقة المترشحين الكبار للسعفة الذهبية. إذا كنت من أنصار ألمودوفار فلن يخيب ظنك. وفاؤه على قدر خيانة شخصياته. "ألم وشهرة"، ذكريات مخرج كبير يعيد قراءة مسيرته بمرّها وحلّوها، الطفولة البائسة ولحظات نشأة الرغبة الأولى والغراميات والشهرة... منذ الوهلة الأولى، منذ الجينيريك، يتم اللقاء مع ألمودوفار ومع ألوانه وشخصياته النسائية (آه بينيلوب كروز!) والرجالية (آه انتونيو بانديراز!) تحرّكها رغبة جانحة في الحياة والحب في فضاءات متوسطية متناغمة مع محيطها بجماله وقبحه.
عندما تدخل عالم المودوفار تجد ما تنتظره تماما كما تدخل عالم كان لوتش. مع طبعا كل الفوارق في الألوان والرؤى. ثابت وعلى ذاته يدور... لا يمكن بالمناسبة أن لا نتذكر كل المخرجين الكبار الذين في لحظة ما وقفوا على سيرتهم الذاتية. لنترك يوسف شاهين، حدوثة قد تذهب بنا إلى بعيد بعيد، وان كان هو أيضا متوسطي وان كانت المقارنة تصح ولكنها ليست تماما في صالح ألمودوفار. لنأخذ فيليني وهو أقرب ثقافيا من صاحبنا ولنتذكر "ثمانية ونصف" فندرك كم نحن بعيدون عما يمكن أن ينتظره محبو السينما كلما تناول مخرج كبير قضية السينما من باب سيرته الذاتية. ولكل واحد حكمه وذوقه.

-لقطة من فيلم "حياة خفية" لتيرنس ماليك
الثابت والمتحول : تيرنس ماليك. هنا يتحوّل الثابت وندخل بابا مغايرا. المنعرج خطير لأن تيرنس ماليك لا يلعب وان كان لا يمتنع على الدوران على ذاته أو لنقل أنه يلعب لعبة أخطر. تاه تيرنس ماليك منذ سنوات وغاب عن رادار متابعي السينما التقليدية، تاه في فضاءات جديدة راميا عرض حائط السينما التقنيات المعتادة في بحث محيّر عن شئ نجهله في مفترق من الطرق بين الحلم والشعر والتغني بالطبيعة والتخلي التام على الخطية السردية.
ولكن موضوع "حياة خفية" تاريخي سردي بامتياز لا يحتمل اللعب هنا : مواطن نمساوي، فلاح بسيط وقف صامدا ضد النازية بدون هوادة وبكل هدوء إلى آخر لحظة في حياته حتى الإعدام. القصة حقيقية ومعروفة ومراحلها بيّنة في الشريط : فرانس ياجرستاتر في ريفه ينعم بالسعادة منصهر في وسطه، سعيد بزواجه وببناته، تحوّلٌ فجئي للنظام ودعوته للاتحاق بالجيش ورفضه الذي باغت الجميع واعتقاله ومعاناته في السجون والمحاولات المتعددة لأن يتراجع عن رفضه لمبايعة هتلر ومقاومته المستميتة، كل ذلك موجود في الشريط ولكن لم يتخل ماليك عن تمشيه الأخير الذي يصعب وصفه : استعماله لتقنيات الكاميرا الديجيتال، اشتغاله على الزاوية العريضة، حركة لا تتوقف، مونطاج يمزج بين الحاضر والماضي بطريقة مفاجئة وغير معتادة، مراوحة بين الشخصيات ومحيطها الطبيعي في سنفونية روحانية لا تبعد عن فلسفة وحدة الوجود وتمطيط زمني مجرد، شريط صوتي منفلت عن الصورة، موسيقى لاتنتهي وقراءة للرسائل المتبادلة بين فرانتس وزوجته. الثابت هنا هو أن تحوّل تيرنس ماليك لا رجعة فيه. ابتعد ماليك (ولم يأت حتى إلى المهرجان) ولكن هل اقترب من السعفة الذهبية؟ في قضية الحال المسألة تتعلق بشئ آخر يتصل بماهية السينما.